النجم الثاقب والثقب الأسود: رؤية جديدة

قال تعالى في بداية سورة الطارق (والسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُك) الطارق: 1-3
لقد ظل الإعجاز العلمي في الآيات المتعلقة بالنجوم والأجرام السماوية من أكثر صور الإعجاز في القرآن إثارة لعقول الباحثين وذلك لارتباطها بأكثر الظواهر الكونية روعة وتعقيدا في نفس الوقت وأيضا للوتيرة المتسارعة التي تتقدم بها علوم الفلك مما يضيف دائما الكثير إلى معاني هذه الآيات ويزيد الدلالة العلمية فيها وضوحا.

ونحن سنتعرض في هذا البحث بإذن الله إلى ثلاث نقاط أساسية وهي:
· النجم الثاقب وصف قرآني دقيق للظاهرة الأعنف في السماء ألا وهي الثقوب السوداء.
· صوت الطرقات الكونية التي تسببها الثقوب السوداء تم تسجيلها بواسطة تليسكوب هابل الفضائي على هيئة موجات صوتية حقيقية.
· هناك علاقة جوهرية بين كل مانراه في السماء من نجوم ومجرات وبين الثقوب السوداء، ولذلك كان القسم بالنجم الثاقب بالفعل قسم عظيم ولذلك قرنه الله بالسماء على عظم شأنها.

لقد تم تناول الدلالة العلمية في هذه الآيات وتتلخص في أنها تشير إلى أنواع من النجوم هي النجوم النيترونية التي تعرف باسم النوابض (Pulsars) والتي تصدر نبضات من الموجات الكهرومغناطيسية في مجال الموجات الراديوية والتي يتم تسجيلها بواسطة التليسكوبات الراديوية مما يعطينا صوتا كالطرق. ومن أهم مصادر الموجات الراديوية الكونية أيضا مايعرف باسم الكوازارات أو أشباه النجوم الراديوية (QUASi-stellAR radio source).(1)
ومن الجدير بالذكر أن سبب حدوث الكوازار مرتبط بظاهرة اعنف ألا وهي الثقوب السوداء الهائلة. ولقد أشار الدكتور زغلول النجار إلى أن النجوم النيترونية والكوازارات من أهم مصادر الطرقات الكونية في السماء.
والنجوم النيترونية والثقوب السوداء يتمتعان بكثير من الخصائص المشتركة التي تؤهلهما لانطباق الدلالة العلمية في الآيات عليهما وهذا يوضح مدى الإعجاز في الآيات لشمول الدلالة العلمية فيها لهاتين الظاهرتين العظيمتين في السماء، وحيث أنه قد تم دراسة العلاقة بين خصائص النجوم النيترونية والآيات في مقالات سابقة، فسنعرض بإذن الله في هذا البحث لدلالة الآيات على الثقوب السوداء.

رؤية جديدة
لقد طرحت الآيات سؤالا وهو * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ *والجواب هو النجم الثاقب فما هو هذا النجم الثاقب وهل النجم الثاقب هو الثقب الأسود؟ ولماذا سمي الثقب الأسود بهذا الاسم؟.

الثقب الأسود
تعتبر الثقوب السوداء الظاهرة الأعنف والأكثر غموضا في السماء فالثقب الأسود يمثل المرحلة الآخيرة من حياة النجم حيث ينتج الثقب الأسود من انهيار نجم هائل على نفسه حيث تتكدس مادة النجم في حجم صغير جدا وبالتالي فكثافة الثقب الأسود تكون هائلة وجاذبيته مهولة بحيث أنها لا تسمح لأي شيء يقترب أن ينفلت منها حتى الضوء. ويحد الثقب الأسود سطح يعرف باسم أفق الحدث (event horizon) – وهنا يجب توضيح نقطة هامة جدا تسبب الخلط عند الكثيرين – وهي أنه يجب التفرقة بين الحجم الذي تتكدس فيه المادة وبين أفق الحدث للثقب الأسود والذي عنده لايمكن لشيء أن يفلت من الثقب الأسود. فمثلا لو تحولت الشمس إلى ثقب أسود فإن قطره عند أفق الحدث سيصل فقط إلى 3 كيلو متر بينما ستتكدس كتلة الشمس كلها في نقطة في مركز الثقب الأسود وبقية الحجم إلى أفق الحدث سيكون عبارة عن فراغ حيث تسقط كل المادة التي تعبر أفق الحدث في مركز الثقب، ولذلك فإن نظرية النسبية العامة تعرف الثقب الأسود كما يلي

(General relativity describes a black hole as a region of empty space with a pointlike singularity at the center and an event horizon at the outer edge)

أي ( تصف النسبية العامة الثقوب السوداء عل انها منطقة من الفضاء الفارغ والذي يحتوي في مركزه على نقطة التفرد وعند حافته يوجد أفق الحدث)

وبالتالي فإن كلمة الثقب الأسود كلمة صحيحة من الناحية العلمية وليس كما كان يظن البعض بسبب الخلط السابق ذكره، حيث يعتقد الكثيرون أن مادة النجم المنهار ستشغل كل الثقب الأسود حتى أفق الحدث. ولكن كما ذكرنا فإن مادة النجم المكدسة في حجم متناهي الصغر في مركز الثقب سيصل تأثيرها فقط إلى أفق الحدث مسببة الفراغ الذي يوجد عليه الثقب.(2)

وتعرف النقطة التي تتكدس فيها المادة في مركز الثقب الأسود بنقطة التفرد (singularity) وهي النقطة التي تتحطم عندها كل قوانين الفيزياء وكما تصف النظريات هذه النقطة فإن حجمها يساوي صفر وكثافتها تبلغ مالا نهاية ويبلغ عندها تقوس الزمن – والفضاء نهايته العظمى.

إشارة الآيات لوجود الثقب
ولقد أشارت الآيات إلى هذه الصفة العجيبة والمعقدة لهذه المرحلة النهائية من حياة النجم بل إن وصف الآيات للنجم بأنه ثاقب هو وصف دقيق جدا وذلك لأن النجم وإن كان هو سبب حدوث هذا الثقب الذي يمتد إلى أفق الحدث إلا أن مادة النجم لا تزال مكدسة في مركز الثقب، فالنجم بحد ذاته لم يصبح ثقبا بل لايزال النجم موجودا في مركز الثقب ومادته التي تكدست في هذا الحجم المتناهي الصغر هي التي سببت وجود الثقب، ولهذا فمن الناحية العلمية هناك ثقب وسبب تكونه هو الثاقب والثاقب هو النجم في حالته المكدسة.
ولقد أشار القرآن الكريم إلى بقية صفات الثقوب السوداء في آيات أخرى في سورة التكوير في قوله تعالى (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ) التكوير:15-16 فبسب هذه الجاذبية المهولة والتي لا تفلت الضوء تكون الثقوب السوداء خانسة أي مختفية، كما أنها تجري في السماء وتكنس كل شيء يقترب منها بسبب جاذبيتها المهولة التي لا تفلت أي شيء.

الثقوب السوداء في السماء
تنقسم الثقوب السوداء الموجودة في صفحة السماء إلى نوعين أساسيين الأول هو الثقوب السوداء النجمية (العادية) (Stellar black holes) أما النوع الآخر من الثقوب السوداء التي وبالفعل تعتبر الظاهرة الأهم والأكبر في السماء إنها الثقوب السوداء الهائلة (Super massive black holes) بل إن كل مايوجد في السماء من مجرات ونجوم يربط العلم الآن بين نشأته وبين هذه النوع من الثقوب. وهذا يؤكد لنا لماذا كان القسم بالنجم الثاقب بالفعل قسم عظيم ولذلك قرنه الله بالسماء على عظم شأنها في بداية سورة الطارق قال تعالى (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ)) الطارق: 1-3(.

خواص الثقوب السوداء الهائلة
إن أهم خاصية تميز هذا النوع من الثقوب السوداء هي كتلتها التي تتخطى كل حدود التصور فإذا كانت كتلة الثقوب السوداء العادية تصل إلى 30 مرة مثل كتلة الشمس فإن كتلة الثقوب السوداء الهائلة تتراوح من مائة ألف إلى عشرة مليارات كتلة الشمس وتتكون نتيجة انهيار نجم تصل كتلته إلى مائة ألف مرة أو أكثر مثل كتلة الشمس بحيث تتكدس مادته في نقطة التفرد في مركز الثقب الأسود الهائل، ولذلك نؤكد مرة أخرى أن وصف الآيات للنجم بأنه ثاقب هو وصف دقيق جدا وذلك لأن النجم وإن كان هو سبب حدوث الثقب الذي يمتد إلى أفق الحدث إلا أن مادة النجم لا تزال مكدسة في مركز الثقب.
وبالتالي فإن النجوم الثاقبة المسببة للثقوب السوداء الهائلة هي أثقل النجوم الموجودة في السماء على الإطلاق.(3)

وتبدأ القصة مع الكوازارات (Quasars)
لقد مر اكتشاف العلماء للثقوب السوداء الهائلة بعدة مراحل كان بدايتها اكتشاف مايعرف باسم الكوازارات أو أشباه النجوم الراديوية (QUASi-stellAR radio source) وهي عبارة عن نوى مجرات شديدة النشاط والبريق حيث أن درجة البريق تصل إلى 2 تريليون مرة مثل بريق الشمس كما أن هذه الكوازارات تعتبر من أهم مصادر الموجات الراديوية في السماء والتي يتم تسجيلها بواسطة التليسكوبات الراديوية على هيئة صوت ومن أنواعها ما يعرف باسم الكوازارات ذات الموجات الراديوية المرتفعة (Radio-loud quasars). ولذلك أشار الدكتور زغلول النجار إلى أن الكوازارات (Quasars) والنوابض (Pulsars) هي من مصادر الطرقات في السماء.
ولقد حير العلماء لفترة طويلة ماهي طبيعة الكوازارات وكيف تصدر هذا البريق الشديد بالرغم من بعدها الكبير عنا والذي يصل إلى مليارات من السنين الضوئية.
وتأتي الإجابة من صورة جديدة لأكثر الأشياء عنفا وغموضا في السماء ألا وهي الثقوب السوداء ولكنها هذه المرة ليست ثقوب سوداء عادية ولكنها نوع آخر من الثقوب السوداء تصل كتلتها إلى بلايين المرات كتلة الشمس.
لقد اكتشف العلماء أن الكوازارت عبارة عن كميات هائلة من الغاز الكوني وهذه الكميات الهائلة موجودة على هيئة قرص كبير جدا يعرف باسم (Accretion disk) يدور حول ثقب أسود هائل في قلب المجرة وهذا القرص بما فيه من مادة يدور بسرعات هائلة ونتيجة ابتلاع المادة بواسطة الثقب الأسود الهائل يؤدي ذلك إلى انتاج كميات هائلة من الطاقة تسبب ظهور هذا البريق الشديد للكوازارات. ويذكر أن الثقب الأسود الهائل يمكن أن يبتلع في العام الواحد كمية من المادة تصل إلى عشرة نجوم.(4)

الطرقات الكونية التي تصدرها الثقوب السوداء الهائلة
إن أصل معنى كلمة الطرق كما جاء في لسان العرب وغيره من قواميس اللغة هو الضرب ومنه سميت المطرقة.
إن الثقوب السوداء الهائلة التي تبتلع كميات كبيرة من المادة تطرق الكون طرقا ماديا حقيقيا حيث أن جزء من المادة التي توشك أن تسقط في الثقب يتم إعادة إطلاقها على هيئة دفق هائل (Jet) من البلازما المكونة من جسيمات ذرية مثل الالكترونات والبوزترونات والبروتونات والتي تنطلق بسرعة قريبة من سرعة الضوء في اتجاهين متعاكسين على امتداد محور الثقب الأسود ويضرب هذا الدفق المادي كل مايوجد في طريقه بقوة وعنف ولمسافات كبيرة جد

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s